الثلاثاء، 12 مايو 2015

تحذير من مزايدات موقع eBay ------------------------------------- من خلال خبرة طويلة في التعامل بموقع eBay والحصول على النجمة الحمراء ، تعرفت على بعض الميزات السيئة في موقع eBay ، من أحدها أنه يسمح للبائع أن يشارك ويزيد السعر في أي مزايدة لبند (بضاعته هو) نفس البائع ، السئوال كيف تعرف أنت المشتري ذلك ؟ الملاحظة الأولى : أنك لو زايدت على بضاعة ما بدولار واحد كي تشتري السلعة بأقل من دولار ، وينتهي المزاد خلال يوم (كمثال) : تجد أن هناك زيادة طفيفة 1 سنت أو 5 سنت على الدولار ، الدليل أنه من البائع أن أي مشتري للبند (مكتوب تحت مبلغ المزايدة) عليك المزايدة فوق 1:25 $ أي أن أي شخص لايستطيع رفع القيمة بشكل بسيط جدا مثل البائع ، يجب الزيادة ربع دولار على الدولار ، فإذا لاحظت أن الزيادة طفيفة إعلم أنه من جهة البائع ، إذا كان البائع لديه دهاء وخبرة لايفعل ذلك إلا إذا بقى من الوقت أقل من 12 ساعة بحيث يبقى البند في حسابك حتى تنتهي المزايدة إشتريت أنت أو غيرك ، طبعا هذا إجراء فيه غش وتدليس على المشترين بحيث يظن المشتري أن الزيادة من مشتري مثله ويغريه بزيادة أخرى لينتهي المزاد عليه بدولار ونصف تقريبا (كمثال) تدخل أي شخص للمزايدة على أي سلعة وهو لايريد الشراء فعلا لايجوز في الشرع الإسلامي بنص حديث شريف ، ومن باب أولى البائع نفسه ، أو من ينوب عنه (الشريطي) ولذلك هو يصبح مال شابه التحريم وغير حلال في الإسلام ، وغش وتدليس صريح في موقع إيباي ، مجاز ومحمي من نظام الموقع ، يبقى قناعتك أنت المشتري في المبلغ والمزايدة عليه ، في النهاية رغبتك وقرارك ، لكن لا تنجر لتدليس البائع .

http://almostashargari.blogspot.com/2010/07/blog-post_15.html

الأحد، 29 يناير 2012

تشييد البناء في إثبات حل الغناء

http://almostashargari.blogspot.com/2010/07/blog-post_15.html
تشييد البناء في إثبات حل الغناء


[IMG]https://dc225.4shared.com/download/326662045/2b8b412f/11874139_1__1_.jpg[/IMG]

[IMG]https://dc225.4shared.com/download/326662043/c2e8e41a/11874139_1.jpg[/IMG]


======================================================================================
http://www.facebook.com/topic.php?uid=121260081224325&topic=172

تشييد البناء في إثبات حل الغناء

الحمد لله ، أكرم جباهنا بالسجود لعظمته ، ونور قلوبنا بالإيمان به ، ومعرفته ، وأرغم أنوفنا بالتسليم لحكمته . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، شهادة أرجو بها نيل مرضاته ، والفوز بالدرجات العلى من جنته . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، شهادة مصدق به ، متبع لسنته ، راجيا شربة هنية من حوضه ، ودخولا في شفاعته .صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحابته ، ومن سلك سبيلهم ، واتبع نهجهم ، والصالحين من أمته . وسلم تسليما .

أما بعد ، فإن الله عز وجل خلق الإنسان بغريزة يميل بها إلى المستلذات والطيبات التي يجد بها في نفسه أطيب الأثر , فتسكن جوارحه وترتاح نفسه وينشرح صدره , هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها ، يميلون إلى كل ما هو جميل في الكون فيسرون برؤيته ويطربون لسماعه وبنيله تكمل لذتهم وسعادتهم . ولا جرم فإن الله تعالى جميل يحب الجمال ، وهذا ما علل به الحبيب صلى الله عليه وسلم شعور الإنسان برغبته أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ، ومظهره حسنا!
وهذه الأحاسيس والمشاعر التي خلقها الله لا يمكن لأحد أن ينفك منها, لأنها من لوازم كونه إنسانا , ومحاولة التغلب على الوجدان إنما هو مقاومة لنواميس هذا الكون وقوانين الحياة .
ولعل قيام الإنسان بمهمته في هذه الحياة ما كانت لتتم على الوجه الذي لأجله خلقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية توجهه نحو المشتهيات والمتع التي خلقه الله معه في الحياة فيأخذ منها القدر الذي يحتاجه وينفعه .
ومن نظر في أحكام الشريعة الإسلامية لاح له أن الله تعالى في كل ما شرعه لم يجعل فيه ما يحارب الغرائز ، أو يطلب من الإنسان أن يخالف ما أودعه الله فيه ، وإنما جاءت النصوص بتهذيب الغريزة ، وتوجيهها ، وتقويمها ، حتى لا تطغى ، فيتحول الإنسان بهذا الطغيان إلى البهيمية ، فليس في شرع الله تعالى أن لا يستمتع الإنسان بالصوت الندي الحسن ، بل جاء فيه ما يحث عليه ويشير إليه ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : علمها بلالا ، فإنه أندى منك صوتا . وإنما عاب الله تعالى نكارة صوت الحمير ، {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} ، ومن المثير للتأمل أن الإشارة إلى نكارة صوت الحمار جاء في نفس السورة التي يسأل منها المحرمون للغناء دليل تحريمه ! ومن غير المعقول أن يطلب الله من الإنسان بعد أن أودع فيه هذه العاطفة نزعها أو إماتتها من أصلها , وموقف الشرائع السماوية من الغرائز هو موقف الاعتدال ، لا موقف الإفراط ولا موقف التفريط , وهو موقف التنظيم لا موقف الإماتة والانتزاع.
فكل صغير أو كبير ، يميل إلى سماع الصوت الحسن ، والنغمة المستلذة إنما هو نتيجة طبيعية لهذه الغريزة التي خلقها الله وأداء لحقها . وقد ذكر الأطباء منذ القدم أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح , وتحن إلى حسن الصوت الطيور والبهائم , ولهذا يقال إن النحل أطرب الحيوان كله على الغناء , وقال الشاعر :

والطير قد يسوقه للموت إصغاؤه إلى حنين الصوت

وذكر الحكماء قديما أن النفس إذا حزنت خمدت نارها فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت . فالصوت الحسن مراد السمع ، ومرتع النفس ، وربيع القلب ، ومجال الهوى ، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد ، وزاد الراكب ؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب ، وأخذه بمجامع النفس .
وقد صح عن عمر رضي الله عنه ، أنه قال : الغناء من زاد الراكب . وكان له مغني اسمه خوات ربما غنى له في سفره حتى يطلع السحر . ويعلم كل أحد من عمر ؟
وقد تنازع الناس في الغناء منذ القدم , ولن أستطيع في رسالة كهذه أن أنهي الخلاف ، وأن أقطع النزاع ، ولكني أردت فقط الإشارة إلى أن القول بإباحته ليس بدعا من القول ، ولا شذوذا ، بل وليس خروجا على الإجماع ، إذ كيف يكون إجماع على تحريمه وكل هؤلاء القوم من العلماء الأجلاء أباحوه ؟
ومن أكبر دلائل إباحته أنه مما كان يفعل إبان نزول القرآن ، وتحت سمع وبصر الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فأقره ، وأمر به ، وسمعه ، وحث عليه ، في الأعراس ، وفي الأعياد .
ومن دلائل إباحته أيضا أنك لن تجد في كتب الإسلام ومراجعه نصا بذلك ، فلو قرأت الكتب الستة لن تجد فيها باب تحريم الغناء ، أو كراهة الغناء ، أو حكم الغناء ، وإنما يذكره الفقهاء تبعا للحديث في أحكام النكاح وما يشرع فيه ، وهكذا جاء الحديث عنه في أحكام العيدين وما يشن فيهما ، ولهذا بوب البخاري رحمه الله تعالى : باب سنة العيدين لأهل الإسلام . ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها . أعني حديث الجاريتين وغنائهما بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته .
والرد على أدلة المحرمين ومناقشتها يطول ، ولكني أشير إلى نكتة ينبغي أن يتنبه لها المسلم ، ولو قلت إنها من قواعد الدين لمن تأمل فلعلي لا أخالف الحق ، فإنك لو نظرت في الكتاب والسنة النبوية ستجد أن كل ما أراد الله تحريمه قطعا نص عليه بنص لا جدال فيه ، وهكذا كل ما أوجبه الله ، نص عليه نصا لا جدال فيه ، وكل ما أراد أن يوسع للناس ويترك لهم المجال ليفهموا من نصوص كتابه ، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم جاء بنص محتمل لقولين أو أكثر ، ولهذا اتفق الناس في كل زمان ومكان على عدد الصلوات ، وأوقاتها – أصل الوقت – وعلى ركعات كل صلاة ، وهيئة الصلاة ، وكيفيتها ، واختلفوا في كل تفصيلاتها تقريبا ، فاختلفوا في تكبيرة الإحرام حتى التسليم ، والمذاهب في ذلك معروفة مشتهرة . وهكذا في الزكاة ، وفي الصيام ، وفي الحج !
فإذا كان الخلاف في أركان الإسلام ، مع اتفاقهم على تسميتها ، فكيف بغيره ، حتى إنهم اختلفوا في النطق بالشهادتين ! وليس هذا إلا من توسعة الله تعالى على عباده .
فلو كان تحريم الغناء واضحا جليا لما احتاج المحرمون إلى حشد النصوص من هنا وهناك ، وجمع أقوال أهل العلم المشنعة له ، وكان يكفيهم أن يشيروا إلى النص الصريح الصحيح ويقطعوا به الجدل ، فوجود الخلاف فيه دليل آخر على أنه ليس بحرام بين التحريم ، كما قرر الشافعي . وقد قال ابن كثير رحمه الله ، إذ تكلم عن البسملة واختلافهم في كونها من الفاتحة أم لا ، قال ما نصه : ويكفي في إثبات أنها ليست من الفاتحة اختلافهم فيها .
وإني أقول مثل ذلك يكفي في إثبات حل الغناء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرمه نصا ، ولم يستطع القائلون بالتحريم أن يأتوا بهذا النص المحرم له ، مع وجود نصوص في تحريم أشياء لم يكن العرب يعرفونها ، كالخنزير ، وتحدث عن أشياء لم يكونوا يحلمون بها كالشرب من آنية الذهب والفضة ، ، ومنعوا من منع النساء من الذهاب إلى المساجد مع كثرة الفتن في كل زمان .
وهذا دليل من أقوى الأدلة على إباحته حيث كان موجودا ومسموعا ، ومنتشرا ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : هذه قينة بني فلان . أتراه يعلم أنها مغنية ولم ينهها عن الغناء ، ولم يحذر من سماعها ، بل على العكس من ذلك فقد قال لعائشة : أتحبين أن تغنيك ! فسبحان الله كيف تعارض مثل هذه النصوص بالمشتبهات من نصوص التحريم ، ثم يعاب على المتمسك بالنص الواضح الصريح ، الصحيح ، ويرمى بالشذوذ والجهل ، وينصح بالتوجه إلى سوق الخضار ، ويتمنى أن يسجن ويقطع لسانه ، وكل من قرأ القرآن وتدبره ، علم أن أصحاب الباطل ، ومن لا يملك دليلا أو حجة يدمغ بها الحجة الواضحة الدامغة لا بد له أن يلجأ إلى التفرعن ، {ما أريكم إلا ما أرى} ، {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} ، فدليل عجز فرعون مقارعة موسى عليه السلام في الحجة ، ووضح حجة موسى ، ألجأ فرعون إلى التهديد بالسجن والقتل .
وهكذا كل من لا يملك حجة ، ولا دليلا يقارع به البينات لا بد أن يلجأ إلى الحيدة ، والتركيز على شخصية حامل الدليل ، لا على الدليل نفسه ، وانظر ذلك في كل قصص الأنبياء ، كل من كفر وعاند لم يأت ببنية واحدة على عناده واستكباره سوى اتهام الرسول بالجنون أو السحر والكذب والكهانة ، {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ، أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون} .
ولهذا سأبدا مقالتي هذه بذكر المجيزين على طريقة الإجمال ، ليتبين المنصف أني لست منفردا بهذا القول ، بل قد قال به من لا يمكن لأي كان أن يصفهم بجهل ، أو يزعم أنهم لم يعرفوا الناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، وتلك الشنشنة التي نعرفها من أخزم !

فأقول مستعينا بالله : إن كثيرا من أئمة الدين المشهود لهم بالعلم والديانة المشهورين بالورع والصيانة قد أباحوا الغناء ، وكانت صناعة الغناء مشهورة عند أسلافنا عبر كل القرون , فقد حفظ لنا التاريخ أسماء كثيرة ممن كانت لهم شهرة ذائعة في صناعة الغناء وتطريبه والبراعة في صياغة ألحانه , حتى صار الغناء من أشهر النوادر والملح التي لا يخلو منها كتاب من كتب الأدب والتأريخ !
فممن اشتهر به وذاع صيته , عبدالله بن جعفر بن أبي طالب وكانت له صحبة ورواية , و محمد بن الحسن بن مصعب أحد الأدباء العلماء بالألحان , وابن الفصيح المغني , وإسحاق بن إبراهيم أبو صفوان المغني المشهور ، وكان ثقة عالما كبير القدر يعظمه المأمون , وإبراهيم بن محمد أبو إسحاق أمير المؤمنين ابن المهدي العباسي ، وكان بارعا إلى الغاية في الغناء ومعرفة الموسيقى , والبردان ، مغني أهل المدينة ، وكان مقبول الشهادة ويتولى السوق بالمدينة , وأبو طاهر الكتامي المعروف بقمر الدولة , والمغني المشهور سباط وكان مشهورا بالعفة والمروءة , والأمير عبدالله بن طاهر الخزاعي ، وكان نبيلا شهما عالي الهمة طريفا جيد الغناء وكان واليا على الدينور, ودحمان الأشقر المغني من فحول المغنين وكان فاضلا عفيفا , وعبدالعزيز بن عبدالرحمن المرواني وكان أديبا شاعرا حنفي المذهب مولعا بالغناء قال له أخوه : لو تركت الغناء . فقال : والله لن أتركه حتى تترك الطيور تغريدها . والحسن بن أحمد المعروف بان الحويزي ، وكان يقرئ القرآن والآداب ويعلم الصبيان الغناء , واشتهر به إبراهيم بن سعد الزهري أحد الأئمة الأثبات ، وكان يضرب بالعود , وشهر بن حوشب ، وكان فقيها قارئا عالما ، أحد المشاهير برواية الحديث ، كان يسمع الغناء بالآلات , ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون ، أوحد زمانه في الغناء واختراع الألحان , والمحدث الشهير سويد بن سعيد وصف بأنه مولع بالغناء , وسعد الله بن نصر المعروف بابن الدجاجي الفقيه ، الواعظ ، المقرئ كان يحضر مع الصوفية ويسمع الغناء معهم , وعبدالعزيز بن عبدالله بن الماجشون مفتي المدينة وعالمها وصف بالمولع بسماع الغناء .
وممن اشتهر بصنعة الغناء أبو دلف العجلي الجواد الشجاع,ومعبد بن محمد البيروتي,وجحظة البرمكي نديم الملوك و الخلفاء العباسيين, وأبو إسحاق النديم نديم هارون الرشيد وصاحبه , وعبيد بن سريج المغني الشهير ذائع الصيت , وابن محرز، وابن الفضل بن الربيع ، غنى لهارون الرشيد فكافأه , وغيرهم كثير من المتعاطين للغناء المشهورين به مع المروءة والتدين.
قال الأصمعي : لما حرم خالد بن عبد الله الغناء، دخل إليه ذات يوم حنين بن بلوع مشتملا على عوده . فلما لم يبق في المجلس من يحتشم منه قال : أصلح الله الأمير، إني شيخ كبير السن ولي صناعة كنت أعود بها على عيالي وقد حرمتها.

قال: وما هي ؟ فكشف عوده وضرب وغنى من الخفيف :

أيها الشـــامت المعير بالشيـ ب أقلن بالشبــاب افتخارا

قد لبسنا الشباب غضا جديدا فوجدنا الشباب ثوبا معارا

فبكى خالد حتى علا نحيبه ورق وارتجع وقال: قد أذنت لك ما لم تجالس معربدا ولا سفيها.

وكانت مجالس الخلفاء تجمع الأدباء والفقهاء والشعراء والقراء والمغنين , وأخبارهم في هذا كثيرة جدا .
وممن أباحه وأفتى بجوازه مع الأوتار الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي, والأدفوي أحد أئمة الشافعية وفقهائهم , وألف كل منهما مصنفا ردا فيه على من حرمه , ونص على إباحة الغناء ابن رجب الحنبلي العالم الشهير صاحب الفنون . ونقل أبوطالب المكي إباحة الغناء عن عبدالله بن جعفر وابن الزبير والمغيرة بن شعبة , وقال : وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابي وتابعي . قال : ولم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عز وجل عباده فيها بذكره كأيام التشريق . ولم يزل أهل المدينة ومكة مواظبين على السماع إلى زماننا هذا ، فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية . قال : وكان لعطاء جاريتان تلحنان وكان إخوانه يستمعون إليهما . قال : وقيل لأبي الحسن بن سالم : كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون ! فقال : كيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير مني . وقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع . وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع .
ونقل الترخيص به عن طاووس بن كيسان صاحب ابن عباس, وعبدالملك بن جريج , وحكى الأستاذ أبو منصور والفوراني عن مالك جواز العود ،وذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب عن شعبة أنه سمع طنبورا في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور . وحكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود .
قال ابن النحوي في العمدة : قال ابن طاهر : هو إجماع أهل المدينة قال ابن طاهر : وإليه ذهبت الظاهرية قاطبة .
قال الأدفوي : لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلى إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر ، وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم ., وحكى الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية , وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن أبي إسحاق الشيرازي , وحكاه الإسنوي في المهمات عن الروياني ,و الماوردي ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور, وحكاه ابن الملقن في العمدة عن ابن طاهر, وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام , وحكاه صاحب الإمتاع عن أبي بكر بن العربي . هؤلاء جميعا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة .
وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الأدفوي في الإمتاع : إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية : نقل الاتفاق على حله , ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه , ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه,ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضا إجماع أهل المدينة عليه. وقال الماوردي : لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيه بالعبادة والذكر .
قال ابن النحوي في العمدة : وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فمن الصحابة عمر , كما رواه ابن عبد البر وغيره , وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي , وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي شيبة ، وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي ، وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه ابن قتيبة ، وأبو مسعود الأنصاري كما أخرجه البيهقي , وبلال وعبد الله بن الأرقم , وأسامة بن زيد كما البيهقي أيضا ، وحمزة كما في الصحيح ، وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر ، والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم ، وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر . وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني ، وعبد الله بن عمر كما رواه الزبير بن بكار ، وقرظة بن بكار كما رواه ابن قتيبة ، وخوات بن جبير ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني ، والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي ، وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي ، وعائشة والربيع كما في صحيح البخاري وغيره . وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عمر وابن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري .
وأما تابعوهم فخلق لا يحصون ، منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية . انتهى كلام ابن النحوي. وحكى القرطبي في تفسيره جوازه عن أبي زكريا الساجي. و أخرج البيهقي عن ابن جريج قال سألت عطاء عن الغناء بالعشر فقال لا أرى به بأسا ما لم يكن فحشا. قال ابن قدامة : واختلف أصحابنا في الغناء ؛
فذهب أبو بكر الخلال ، وصاحبه أبو بكر عبد العزيز ، إلى إباحته . قال أبو بكر عبد العزيز : والغناء والنوح معنى واحد ، مباح ما لم يكن معه منكر ، ولا فيه طعن. وكان الخلال يحمل الكراهة من أحمد على الأفعال المذمومة ، لا على القول بعينه . وروي عن أحمد ، أنه سمع عند ابنه صالح قوالا ، فلم ينكر عليه ، وقال له صالح : يا أبت ، أليس كنت تكره هذا ؟ فقال : إنه قيل لي : إنهم يستعملون المنكر .
وممن ذهب إلى إباحته من غير كراهة ، سعد بن إبراهيم ، وكثير من أهل المدينة ، والعنبري ، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : الغناء زاد الراكب .
واختار القاضي أنه مكروه غير محرم . وهو قول الشافعي ، قال : هو من اللهو المكروه .أهـ
وأجازه من المتأخرين ولو مع المعازف, الشيخ حسن العطار , والشيخ محمود شلتوت ، والشيخ على الطنطاوي , وقال رشيد رضا : والتحقيق أن الأصل فيها الإباحة , وأنها تعرض لها أحوال تكون فتنة , وذرائع لمفاسد تكون بها محرمة أو مكروهه. وقال الشيخ البيحاني : والحق أن الغناء والآلات لا تحرم إلا إذا شغلت عن ذكر الله وعن الصلاة ,أو جرت إلى شيء لا تحمد عقباه.
قال أبو عبد الإله : فبهذا يتبين لك أنه حين كثر الجدل في هذه الأيام حول ما أبديته من رأي في حل الغناء ، أني لم آت بما لم تأت به الأوائل ، بل إن الحدث قد كشف عوار أمة تحمل لواء النص ، وتزعم اتباعه ، وتنهى عن التقليد المقيت ، ثم هي تقلد أئمتها دون بحث أو تمحيص ، وتقف من النص موقف المخصص ، والمتحكم ، لأنه لم يوافق هواها !
وكشف الحدث أيضا أن هناك فئة كبيرة من علمائنا وطلبة العلم منا مصابون بجرثومة التحريم ، فلا يرتاح لهم بال إلا إذا أغلقوا باب الحلال ، وأوصدوه بكل رأي شديد ، يعجز عن فكه كل مفاتيح الصلب والحديد ، لأنه يغلق العقول فلا تقبل إلا ما وافقها ، ولا تدخل رأيا مهما كان واضحا جليا ، ومهما كان معه من نصوص الوحيين ، لأنها اعتقدت واقتنعت بما رأت ، ولست أسعى في هذا المقال إلى أن أقنعهم برأيي ، ولكني أريد أن أثبت للمنصف أني لم أقل ما قلت عن هوى ، ولم أبح حراما كما زعم المخالفون ، ولست مبتدعا قولا أخالف به إجماع الأئمة والعلماء !
يقول الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله بعد في رسالته "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع" : إذا تقرر هذا تبين للمنصف العارف بكيفية الاستدلال ، العالم بصفة المناظرة والجدال أن السماع بآلة وغيرها من مواطن الخلاف بين أئمة العلم ، ومن المسائل التي لا ينبغي التشديد في النكير على فاعلها .
وهذا الغرض هو الذي حملنا على جمع هذه الرسالة ؛ لأن في الناس من يزعم لقلة عرفانه بعلوم الاستدلال ، وتعطل دوابه عن الدراية بالأقوال ، أن تحريم الغناء بالآلة وغيرها من القطعيات للجمع على تحريمها ، وقد علمت أن هذه فرية ما فيها مرية ، وجهالة بلا محالة ، وقصر باع بغير نزاع[/U] ، فهذا هو الباعث على جمع هذه المباحث لما لا يخفى على عارف أن رمي من ذكرنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وجماعة من أئمة المسلمين بارتكاب محرم قطعا من أشنع الشنع ، وأبدع البدع ، وأوحش الجهالات ، وأفحش الضلالات ، فقصدنا الذب عن أعراضهم الشريفة ، والدفع عن هذا الجناب للعقول السخيفة.أهـ
فعلى هذا فإن الذي أدين الله تعالى به ، هو أن الغناء حلال كله ، حتى مع المعازف ، ولا دليل يحرمه من كتاب الله ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكل دليل من كتاب الله تعالى استدل به المحرمون لا ينهض للقول بالتحريم على القواعد التي أقروها ، واعتمدوها ، كذا لم يصح من سنة نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي شيء يستطيع المرء أن يقول بأنه يحرم الغناء بآلة أو بدون آلة ، وكل حديث استدل به المحرمون إما صحيح غير صريح ، وإما صريح غير صحيح ، ولا بد من اجتماع الصحة والصراحة لنقول بالتحريم .
ثم أنبه إلى أني قد قرأت أقوال المحرمين قبل ، وبعد ، وكنت أقول به ، ولي فيه خطبة معروفة ، ورجعت عن القول بالتحريم لما تبين لي أن المعتمد كان على محفوظات تبين فيما بعد ضعفها ، بل بعضها موضوع ومنكر ، وعلى أقوال أئمة ، نعم نحسبهم والله حسيبهم من أجلة العلماء ، ولكن مهما كان قول العالم فإنه لا يملك التحريم ولا الإيجاب ، إنما ذلكم لله تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم .
ثم أنبه إلى أني لا أريد من الناس أن يغنوا ويتركوا القرآن والسنة ، كما يشغب بعضهم ، حاشا لله أن آمر بذلك أو أحث عليه ، ولكني أقول قولي هذا ديانة وبيانا لحكم سئلت عنه فأبديت رأيي. ولكني أضغط منبها على أن بعض العلماء عندنا ، وبعض طلبة العلم إنما هم صحف سطرت فيها معلومات لا تمحوها الحقيقة ، ولا يغيرها الدليل ، منطلقة من قول السابقين : {إنا وجدنا آباءنا على أمة} . وحاملة شعار أبي جهل : أترغب عن ملة عبدالمطلب .
ولست متهما كل من خالفني بذلك ، أبرا إلى الله تعالى ، ولكني أشير على من حكر القول فيما يراه ، وظن أنه يحمل الحق وحده ، وأن كل من خالفه فإنه جاهل بالناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، متناسيا أن الله تعالى وهو الذي لم يشر إلى الغناء ولو إشارة بتحريم ، قد حرم الهمز واللمز بل توعد عليهما بالويل ، والنار ، دلالة على شدة تحريمهما وأنهما من كبائر الذنوب ، فسبحان الله كيف تعمى القلوب فتبصر تحريم الغناء وتحشد أدلة لذلك وتتجاهل العمل بما نص الكتاب والسنة على تحريمهما دون
ارتياب ، وما ذاك غلا لأن القوم يتبعون أهواءهم ، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير علم ؟
هذا ما تيسرت كتابته في هذا المقام ، والله اسأل أن يريني الحق حقا ، ويرزقني اتباعه ، والباطل باطلا ـ ويرزقني اجتنابه ، وأن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على حبيبنا ونبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين .

وكتبه الفقير إلى رحمة الكريم المنان : عادل بن سالم الكلباني

السبت 7/7/1431

الخميس، 15 يوليو 2010

تشييد البناء في إثبات حل الغناء




الحمد لله ، أكرم جباهنا بالسجود لعظمته ، ونور قلوبنا بالإيمان به ، ومعرفته ، وأرغم أنوفنا بالتسليم لحكمته .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، شهادة أرجو بها نيل مرضاته ، والفوز بالدرجات العلى من جنته .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، شهادة مصدق به ، متبع لسنته ، راجيا شربة هنية من حوضه ، ودخولا في شفاعته .

صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحابته ، ومن سلك سبيلهم ، واتبع نهجهم ، والصالحين من أمته . وسلم تسليما .

أما بعد ، فإن الله عز وجل خلق الإنسان بغريزة يميل بها إلى المستلذات والطيبات التي يجد بها في نفسه أطيب الأثر , فتسكن جوارحه وترتاح نفسه وينشرح صدره , هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها ، يميلون إلى كل ما هو جميل في الكون

فيسرون برؤيته ويطربون لسماعه وبنيله تكمل لذتهم وسعادتهم . ولا جرم فإن الله تعالى جميل يحب الجمال ، وهذا ما علل به الحبيب صلى الله عليه وسلم شعور الإنسان برغبته أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ، ومظهره حسنا!

وهذه الأحاسيس والمشاعر التي خلقها الله لا يمكن لأحد أن ينفك منها, لأنها من لوازم كونه إنسانا , ومحاولة التغلب على الوجدان إنما هو مقاومة لنواميس هذا الكون وقوانين الحياة .

ولعل قيام الإنسان بمهمته في هذه الحياة ما كانت لتتم على الوجه الذي لأجله خلقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية توجهه نحو المشتهيات والمتع التي خلقه الله معه في الحياة فيأخذ منها القدر الذي يحتاجه وينفعه .

ومن نظر في أحكام الشريعة الإسلامية لاح له أن الله تعالى في كل ما شرعه لم يجعل فيه ما يحارب الغرائز ، أو يطلب من الإنسان أن يخالف ما أودعه الله فيه ، وإنما جاءت النصوص بتهذيب الغريزة ، وتوجيهها ، وتقويمها ، حتى لا تطغى ، فيتحول
الإنسان بهذا الطغيان إلى البهيمية ، فليس في شرع الله تعالى أن لا يستمتع الإنسان بالصوت الندي الحسن ، بل جاء فيه ما يحث عليه ويشير إليه ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : علمها بلالا ، فإنه أندى منك صوتا . وإنما عاب الله تعالى نكارة
صوت الحمير ، {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} ، ومن المثير للتأمل أن الإشارة إلى نكارة صوت الحمار جاء في نفس السورة التي يستل منها المحرمون للغناء دليل تحريمه ! ومن غير المعقول أن يطلب الله من الإنسان بعد أن أودع فيه هذه

العاطفة نزعها أو إماتتها من أصلها , وموقف الشرائع السماوية من الغرائز هو موقف الاعتدال ، لا موقف الإفراط ولا موقف التفريط , وهو موقف التنظيم لا موقف الإماتة والانتزاع.

فكل صغير أو كبير ، يميل إلى سماع الصوت الحسن ، والنغمة المستلذة إنما هو نتيجة طبيعية لهذه الغريزة التي خلقها الله وأداء لحقها .

وقد ذكر الأطباء منذ القدم أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح , وتحن إلى حسن الصوت الطيور والبهائم , ولهذا يقال إن النحل أطرب الحيوان كله على

الغناء , وقال الشاعر :

والطير قد يسوقه للموت إصغاؤه إلى حنين الصوت

وذكر الحكماء قديما أن النفس إذا حزنت خمدت نارها فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت .


فالصوت الحسن مراد السمع ، ومرتع النفس ، وربيع القلب ، ومجال الهوى ، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد ، وزاد الراكب ؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب ، وأخذه بمجامع النفس .

وقد صح عن عمر رضي الله عنه ، أنه قال : الغناء من زاد الراكب . وكان له مغني اسمه خوات ربما غنى له في سفره حتى يطلع السحر . ويعلم كل أحد من عمر ؟

وقد تنازع الناس في الغناء منذ القدم , ولن أستطيع في رسالة كهذه أن أنهي الخلاف ، وأن أقطع النزاع ، ولكني أردت فقط الإشارة إلى أن القول بإباحته ليس بدعا من القول ، ولا شذوذا ، بل وليس خروجا على الإجماع ، إذ كيف يكون إجماع على

تحريمه وكل هؤلاء القوم من العلماء الأجلاء أباحوه ؟

ومن أكبر دلائل إباحته أنه مما كان يفعل إبان نزول القرآن ، وتحت سمع وبصر الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فأقره ، وأمر به ، وسمعه ، وحث عليه ، في الأعراس ، وفي الأعياد .

ومن دلائل إباحته أيضا أنك لن تجد في كتب الإسلام ومراجعه نصا بذلك ، فلو قرأت الكتب الستة لن تجد فيها باب تحريم الغناء ، أو كراهة الغناء ، أو حكم الغناء ، وإنما يذكره الفقهاء تبعا للحديث في أحكام النكاح وما يشرع فيه ، وهكذا جاء الحديث عنه
في أحكام العيدين وما يشن فيهما ، ولهذا بوب البخاري رحمه الله تعالى : باب سنة العيدين لأهل الإسلام . ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها . أعني حديث الجاريتين وغنائهما بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته .

والرد على أدلة المحرمين ومناقشتها يطول ، ولكني أشير إلى نكتة ينبغي أن يتنبه لها المسلم ، ولو قلت إنها من قواعد الدين لمن تأمل فلعلي لا أخالف الحق ، فإنك لو نظرت في الكتاب والسنة النبوية ستجد أن كل ما أراد الله تحريمه قطعا نص عليه بنص لا جدال فيه ، وهكذا كل ما أوجبه الله ، نص عليه نصا لا جدال فيه ، وكل ما أراد أن يوسع للناس ويترك لهم المجال ليفهموا من نصوص كتابه ، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم جاء بنص محتمل لقولين أو أكثر ، ولهذا اتفق الناس في كل زمان ومكان على عدد الصلوات ، وأوقاتها – أصل الوقت – وعلى ركعات كل صلاة ، وهيئة الصلاة ، وكيفيتها ، واختلفوا في كل تفصيلاتها تقريبا ، فاختلفوا في تكبيرة الإحرام حتى التسليم ، والمذاهب في ذلك معروفة مشتهرة . وهكذا في الزكاة ، وفي الصيام ،

وفي الحج !

فإذا كان الخلاف في أركان الإسلام ، مع اتفاقهم على تسميتها ، فكيف بغيره ، حتى إنهم اختلفوا في النطق بالشهادتين ! وليس هذا إلا من توسعة الله تعالى على عباده .

فلو كان تحريم الغناء واضحا جليا لما احتاج المحرمون إلى حشد النصوص من هنا وهناك ، وجمع أقوال أهل العلم المشنعة له ، وكان يكفيهم أن يشيروا إلى النص الصريح الصحيح ويقطعوا به الجدل ، فوجود الخلاف فيه دليل آخر على أنه ليس بحرام بين

التحريم ، كما قرر الشافعي . وقد قال ابن كثير رحمه الله ، إذ تكلم عن البسملة واختلافهم في كونها من الفاتحة أم لا ، قال ما نصه : ويكفي في إثبات أنها ليست من الفاتحة اختلافهم فيها .

وإني أقول مثل ذلك يكفي في إثبات حل الغناء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرمه نصا ، ولم يستطع القائلون بالتحريم أن يأتوا بهذا النص المحرم له ، مع وجود نصوص في تحريم أشياء لم يكن العرب يعرفونها ، كالخنزير ، وتحدث عن أشياء لم يكونوا يحلمون بها كالشرب من آنية الذهب والفضة ، ، ومنعوا من منع النساء من الذهاب إلى المساجد مع كثرة الفتن في كل زمان .

وهذا دليل من أقوى الأدلة على إباحته حيث كان موجودا ومسموعا ، ومنتشرا ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : هذه قينة بني فلان . أتراه يعلم أنها مغنية ولم ينهها عن الغناء ، ولم يحذر من سماعها ، بل على العكس من ذلك فقد قال

لعائشة : أتحبين أن تغنيك ! فسبحان الله كيف تعارض مثل هذه النصوص بالمشتبهات من نصوص التحريم ، ثم يعاب على المتمسك بالنص الواضح الصريح ، الصحيح ، ويرمى بالشذوذ والجهل ، وينصح بالتوجه إلى سوق الخضار ، ويتمنى أن يسجن

ويقطع لسانه ، وكل من قرأ القرآن وتدبره ، علم أن أصحاب الباطل ، ومن لا يملك دليلا أو حجة يدمغ بها الحجة الواضحة الدامغة لا بد له أن يلجأ إلى التفرعن ، {ما أريكم إلا ما أرى} ، {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} ، فدليل

عجز فرعون مقارعة موسى عليه السلام في الحجة ، ووضح حجة موسى ، ألجأ فرعون إلى التهديد بالسجن والقتل .

وهكذا كل من لا يملك حجة ، ولا دليلا يقارع به البينات لا بد أن يلجأ إلى الحيدة ، والتركيز على شخصية حامل الدليل ، لا على الدليل نفسه ، وانظر ذلك في كل قصص الأنبياء ، كل من كفر وعاند لم يأت ببنية واحدة على عناده واستكباره سوى اتهام

الرسول بالجنون أو السحر والكذب والكهانة ، {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ، أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون} .

ولهذا سأبدا مقالتي هذه بذكر المجيزين على طريقة الإجمال ، ليتبين المنصف أني لست منفردا بهذا القول ، بل قد قال به من لا يمكن لأي كان أن يصفهم بجهل ، أو يزعم أنهم لم يعرفوا الناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، وتلك الشنشنة التي نعرفها من

أخزم !

فأقول مستعينا بالله : إن كثيرا من أئمة الدين المشهود لهم بالعلم والديانة المشهورين بالورع والصيانة قد أباحوا الغناء ، وكانت صناعة الغناء مشهورة عند أسلافنا عبر كل القرون , فقد حفظ لنا التاريخ أسماء كثيرة ممن كانت لهم شهرة ذائعة في

صناعة الغناء وتطريبه والبراعة في صياغة ألحانه , حتى صار الغناء من أشهر النوادر والملح التي لا يخلو منها كتاب من كتب الأدب والتأريخ !

فممن اشتهر به وذاع صيته , عبدالله بن جعفر بن أبي طالب وكانت له صحبة ورواية , و محمد بن الحسن بن مصعب أحد الأدباء العلماء بالألحان , وابن الفصيح المغني , وإسحاق بن إبراهيم أبو صفوان المغني المشهور ، وكان ثقة عالما كبير
القدر يعظمه المأمون , وإبراهيم بن محمد أبو إسحاق أمير المؤمنين ابن المهدي العباسي ، وكان بارعا إلى الغاية في الغناء ومعرفة الموسيقى , والبردان ، مغني أهل المدينة ، وكان مقبول الشهادة ويتولى السوق بالمدينة , وأبو طاهر الكتامي المعروف

بقمر الدولة , والمغني المشهور سباط وكان مشهورا بالعفة والمروءة , والأمير عبدالله بن طاهر الخزاعي ، وكان نبيلا شهما عالي الهمة طريفا جيد الغناء وكان واليا على الدينور, ودحمان الأشقر المغني من فحول المغنين وكان فاضلا عفيفا ,

وعبدالعزيز بن عبدالرحمن المرواني وكان أديبا شاعرا حنفي المذهب مولعا بالغناء قال له أخوه : لو تركت الغناء . فقال : والله لن أتركه حتى تترك الطيور تغريدها . والحسن بن أحمد المعروف بان الحويزي ، وكان يقرئ القرآن والآداب ويعلم الصبيان الغناء , واشتهر به إبراهيم بن سعد الزهري أحد الأئمة الأثبات ، وكان يضرب بالعود , وشهر بن حوشب ، وكان فقيها قارئا عالما ، أحد المشاهير برواية الحديث ، كان يسمع الغناء بالآلات , ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون ، أوحد زمانه

في الغناء واختراع الألحان , والمحدث الشهير سويد بن سعيد وصف بأنه مولع بالغناء , وسعد الله بن نصر المعروف بابن الدجاجي الفقيه ، الواعظ ، المقرئ كان يحضر مع الصوفية ويسمع الغناء معهم , وعبدالعزيز بن عبدالله بن الماجشون مفتي
المدينة وعالمها وصف بالمولع بسماع الغناء .

وممن اشتهر بصنعة الغناء أبو دلف العجلي الجواد الشجاع,ومعبد بن محمد البيروتي,وجحظة البرمكي نديم الملوك و الخلفاء العباسيين, وأبو إسحاق النديم نديم هارون الرشيد وصاحبه , وعبيد بن سريج المغني الشهير ذائع الصيت , وابن محرز،

وابن الفضل بن الربيع ، غنى لهارون الرشيد فكافأه , وغيرهم كثير من المتعاطين للغناء المشهورين به مع المروءة والتدين.

قال الأصمعي : لما حرم خالد بن عبد الله الغناء، دخل إليه ذات يوم حنين بن بلوع مشتملا على عوده . فلما لم يبق في المجلس من يحتشم منه قال : أصلح الله الأمير، إني شيخ كبير السن ولي صناعة كنت أعود بها على عيالي وقد حرمتها.

قال: وما هي ؟ فكشف عوده وضرب وغنى من الخفيف :

أيها الشـــامت المعير بالشيـ ب أقلن بالشبــاب افتخارا

قد لبسنا الشباب غضا جديدا فوجدنا الشباب ثوبا معارا

فبكى خالد حتى علا نحيبه ورق وارتجع وقال: قد أذنت لك ما لم تجالس معربدا ولا سفيها.

وكانت مجالس الخلفاء تجمع الأدباء والفقهاء والشعراء والقراء والمغنين , وأخبارهم في هذا كثيرة جدا .

وممن أباحه وأفتى بجوازه مع الأوتار الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي, والأدفوي أحد أئمة الشافعية وفقهائهم , وألف كل منهما مصنفا ردا فيه على من حرمه , ونص على إباحة الغناء ابن رجب الحنبلي العالم الشهير صاحب الفنون .

ونقل أبوطالب المكي إباحة الغناء عن عبدالله بن جعفر وابن الزبير والمغيرة بن شعبة , وقال : وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابي وتابعي . قال : ولم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عز وجل عباده فيها بذكره كأيام التشريق . ولم يزل أهل المدينة ومكة مواظبين على السماع إلى زماننا هذا ، فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية . قال : وكان لعطاء جاريتان تلحنان وكان

إخوانه يستمعون إليهما . قال : وقيل لأبي الحسن بن سالم : كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون ! فقال : كيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير مني . وقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع .

وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع .
ونقل الترخيص به عن طاووس بن كيسان صاحب ابن عباس, وعبدالملك بن جريج , وحكى الأستاذ أبو منصور والفوراني عن مالك جواز العود .

وذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب عن شعبة أنه سمع طنبورا في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور .

وحكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود .

قال ابن النحوي في العمدة : قال ابن طاهر : هو إجماع أهل المدينة قال ابن طاهر : وإليه ذهبت الظاهرية قاطبة .

قال الأدفوي : لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلى إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر ، وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم ., وحكى الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية , وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن أبي إسحاق الشيرازي , وحكاه

الإسنوي في المهمات عن الروياني ,و الماوردي ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور, وحكاه ابن الملقن في العمدة عن ابن طاهر, وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام , وحكاه صاحب الإمتاع عن أبي بكر بن العربي .

هؤلاء جميعا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة .

وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الأدفوي في الإمتاع : إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية : نقل الاتفاق على حله , ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه , ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه,ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضا إجماع أهل المدينة عليه.

وقال الماوردي : لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيه بالعبادة والذكر .

قال ابن النحوي في العمدة : وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فمن الصحابة عمر , كما رواه ابن عبد البر وغيره , وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي , وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي

شيبة ، وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي ، وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه ابن قتيبة ، وأبو مسعود الأنصاري كما أخرجه البيهقي , وبلال وعبد الله بن الأرقم , وأسامة بن زيد كما البيهقي أيضا ، وحمزة كما في الصحيح ، وابن عمر كما
أخرجه ابن طاهر ، والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم ، وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر .

وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني ، وعبد الله بن عمر كما رواه الزبير بن بكار ، وقرظة بن بكار كما رواه ابن قتيبة ، وخوات بن جبير ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني ، والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي ، وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي ، وعائشة والربيع كما في صحيح البخاري وغيره .

وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عمر وابن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري .

وأما تابعوهم فخلق لا يحصون ، منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية .

انتهى كلام ابن النحوي.

وحكى القرطبي في تفسيره جوازه عن أبي زكريا الساجي. و أخرج البيهقي عن ابن جريج قال سألت عطاء عن الغناء بالعشر فقال لا أرى به بأسا ما لم يكن فحشا.

قال ابن قدامة : واختلف أصحابنا في الغناء ؛ فذهب أبو بكر الخلال ، وصاحبه أبو بكر عبد العزيز ، إلى إباحته .

قال أبو بكر عبد العزيز : والغناء والنوح معنى واحد ، مباح ما لم يكن معه منكر ، ولا فيه طعن.

وكان الخلال يحمل الكراهة من أحمد على الأفعال المذمومة ، لا على القول بعينه .

وروي عن أحمد ، أنه سمع عند ابنه صالح قوالا ، فلم ينكر عليه ، وقال له صالح : يا أبت ، أليس كنت تكره هذا ؟ فقال : إنه قيل لي : إنهم يستعملون المنكر .

وممن ذهب إلى إباحته من غير كراهة ، سعد بن إبراهيم ، وكثير من أهل المدينة ، والعنبري ، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : الغناء زاد الراكب .

واختار القاضي أنه مكروه غير محرم . وهو قول الشافعي ، قال : هو من اللهو المكروه .أهـ

وأجازه من المتأخرين ولو مع المعازف, الشيخ حسن العطار , والشيخ محمود شلتوت ، والشيخ على الطنطاوي , وقال رشيد رضا : والتحقيق أن الأصل فيها الإباحة , وأنها تعرض لها أحوال تكون فتنة , وذرائع لمفاسد تكون بها محرمة أو مكروهه.

وقال الشيخ البيحاني : والحق أن الغناء والآلات لا تحرم إلا إذا شغلت عن ذكر الله وعن الصلاة ,أو جرت إلى شيء لا تحمد عقباه.

قال أبو عبد الإله : فبهذا يتبين لك أنه حين كثر الجدل في هذه الأيام حول ما أبديته من رأي في حل الغناء ، أني لم آت بما لم تأت به الأوائل ، بل إن الحدث قد كشف عوار أمة تحمل لواء النص ، وتزعم اتباعه ، وتنهى عن التقليد المقيت ، ثم هي تقلد
أئمتها دون بحث أو تمحيص ، وتقف من النص موقف المخصص ، والمتحكم ، لأنه لم يوافق هواها !
وكشف الحدث أيضا أن هناك فئة كبيرة من علمائنا وطلبة العلم منا مصابون بجرثومة التحريم ، فلا يرتاح لهم بال إلا إذا أغلقوا باب الحلال ، وأوصدوه بكل رأي شديد ، يعجز عن فكه كل مفاتيح الصلب والحديد ، لأنه يغلق العقول فلا تقبل إلا ما وافقها ،
ولا تدخل رأيا مهما كان واضحا جليا ، ومهما كان معه من نصوص الوحيين ، لأنها اعتقدت واقتنعت بما رأت
، ولست أسعى في هذا المقال إلى أن أقنعهم برأيي ، ولكني أريد أن أثبت للمنصف أني لم أقل ما قلت عن هوى ، ولم أبح حراما كما زعم
المخالفون ، ولست مبتدعا قولا أخالف به إجماع الأئمة والعلماء !

يقول الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله بعد في رسالته "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع" : إذا تقرر هذا تبين للمنصف العارف بكيفية الاستدلال ، العالم بصفة المناظرة والجدال أن السماع بآلة وغيرها من مواطن الخلاف بين
أئمة العلم ، ومن المسائل التي لا ينبغي التشديد في النكير على فاعلها .

وهذا الغرض هو الذي حملنا على جمع هذه الرسالة ؛ لأن في الناس من يزعم لقلة عرفانه بعلوم الاستدلال ، وتعطل دوابه عن الدراية بالأقوال ، أن تحريم الغناء بالآلة وغيرها من القطعيات للجمع على تحريمها ، وقد علمت أن هذه فرية ما فيها مرية ، وجهالة بلا محالة ، وقصر باع بغير نزاع ، فهذا هو الباعث على جمع هذه المباحث لما لا يخفى على عارف أن رمي من ذكرنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وجماعة من أئمة المسلمين بارتكاب محرم قطعا من أشنع الشنع ، وأبدع البدع ، وأوحش الجهالات ، وأفحش الضلالات ، فقصدنا الذب عن أعراضهم الشريفة ، والدفع عن هذا الجناب للعقول السخيفة.أهـ

[U]فعلى هذا فإن الذي أدين الله تعالى به ، هو أن الغناء حلال كله ، حتى مع المعازف ، ولا دليل يحرمه من كتاب الله ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكل دليل من كتاب الله تعالى استدل به المحرمون لا ينهض للقول بالتحريم على القواعد التي أقروها ، واعتمدوها ، كذا لم يصح من سنة نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم[/U] ، بأبي هو وأمي شيء يستطيع المرء أن يقول بأنه يحرم الغناء بآلة أو بدون آلة ، وكل حديث استدل به المحرمون إما صحيح غير صريح ، وإما صريح غير صحيح ، ولا بد من اجتماع

الصحة والصراحة لنقول بالتحريم .

ثم أنبه إلى أني قد قرأت أقوال المحرمين قبل ، وبعد ،وكنت أقول به ، ولي فيه خطبة معروفة ، ورجعت عن القول بالتحريم لما تبين لي أن المعتمد كان على محفوظات تبين فيما بعد ضعفها ، بل بعضها موضوع ومنكر ، وعلى أقوال أئمة ، نعم نحسبهم والله حسيبهم من أجلة العلماء ، ولكن مهما كان قول العالم فإنه لا يملك التحريم ولا الإيجاب ، إنما ذلكم لله تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم .
ثم أنبه إلى أني لا أريد من الناس أن يغنوا ويتركوا القرآن والسنة ، كما يشغب بعضهم ، حاشا لله أن آمر بذلك أو أحث عليه ، ولكني أقول قولي هذا ديانة وبيانا لحكم سئلت عنه فأبديت رأيي.ولكني أضغط منبها على أن بعض العلماء عندنا ، وبعض طلبة العلم إنما هم صحف سطرت فيها معلومات لا تمحوها الحقيقة ، ولا يغيرها الدليل ، منطلقة من قول السابقين : {إنا وجدنا آباءنا على أمة} . وحاملة شعار أبي جهل : أترغب عن ملة عبدالمطلب .
ولست متهما كل من خالفني بذلك ، أبرا إلى الله تعالى ، ولكني أشير على من حكر القول فيما يراه ، وظن أنه يحمل الحق وحده ، وأن كل من خالفه فإنه جاهل بالناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، متناسيا أن الله تعالى وهو الذي لم يشر إلى الغناء ولو إشارة بتحريم ، قد حرم الهمز واللمز بل توعد عليهما بالويل ، والنار ، دلالة على شدة تحريمهما وأنهما من كبائر الذنوب ، فسبحان الله كيف تعمى القلوب فتبصر تحريم الغناء وتحشد أدلة لذلك وتتجاهل العمل بما نص الكتاب والسنة على تحريمهما دون
ارتياب ، وما ذاك غلا لأن القوم يتبعون أهواءهم ، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير علم ؟


هذا ما تيسرت كتابته في هذا المقام ، والله اسأل أن يريني الحق حقا ، ويرزقني اتباعه ، والباطل باطلا ـ ويرزقني اجتنابه ، وأن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على حبيبنا ونبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين .

وكتبه الفقير إلى رحمة الكريم المنان


عادل بن سالم الكلباني

السبت 7/7/1431
الغناء في الإسلام
السؤال ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى؟
مقدمة .
سؤال يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيان شتى.
سؤال اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعاً لاختلاف أجوبتهم، فمنهم من يفتح أذنيه لكل نوع من أنواع الغناء، ولكل لون من ألوان الموسيقى مدعياً أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة التي أباح الله لعباده.
ومنهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلاً: إن الغناء مزمار الشيطان، ولهو الحديث ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبخاصة إذا كان المغِّنى امرأة، فالمرأة ـ عندهم ـ صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال.
ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى، حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار.
ووقف فريق ثالث متردداً بين الفريقين؛ ينحاز إلى هؤلاء تارة، وإلى أولئك طوراً، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير، الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية، وخصوصاً بعد أن دخلت الإذاعة ـ المسموعة والمرئية ـ على الناس بيوتهم، بجدها وهزلها، وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعا وكرها.
والغناء بآلة ـ أي مع الموسيقى ـ ويغير آلة: مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى.
اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلاماً، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل على حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير؟
واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلآت والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغنى امرأة في حضرة أجانب منها.
من حرم الغناء زعم أنه قد وردت في ذلك نصوص صريحة ـ ستذكر فيما بعد.
وقد اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً بيناً: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة، بل اعتبره مستحباً، ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة، ومنهم من منعه منعاً باتاً بآلة وبغير آلة، وعده حراماً، بل ربما ارتقى به إلى درجة الكبيرة.
ولأهمية الموضوع نرى لزاما علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل، ونلقى عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة، وحتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام، متبعاً للدليل الناصع، لا مقلداً قول قائل، وبذلك يكون على بينة من أمره، وبصيرة من دينه.
الأصل في الأشياء والإباحة:
قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) (سورة البقرة/29)، ولا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع ثابت متيقن، فإذا لم يرد نص ولا إجماع. أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شئ من الأشياء، لم يؤثر ذلك في حله، وبقى في دائرة العفو الواسعة، قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) (سورة الأنعام/ 119).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينْسى شيئاً"، وتلا: (وما كان ربك نسياً) (سورة مريم/ 64) رواه الحاكم عن أبي الدرداء وصححه، وأخرجه البزار.
وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" أخرجه الدار قطني عن أبي ثعلبة الخشني.
وحسنه الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه، والنووى في الأربعين.
وإذا كانت هذه هي القاعدة فما هي النصوص والأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء، وما موقف المجيزين منها؟
أدلة المحرمين للغناء ومناقشتها:
أ_ استدل المحرمون بما روى عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) (سورة لقمان/ 6) وفسروا لَهْو الحديث بالغناء.
قال ابن حزم: ولا حجة في هذا لوجوه:
أحدها: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين.
والثالث: أن بعض الآية يبطل احتجاجهم بها؛ لأن الآية فيها: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا) وهذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوا.
ولو أن امرأ اشترى مصحفاً ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافراً! فهذا هو الذي ذم الله تعالى، وما ذم قط عز وجل من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالى. فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا وكذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدث به، أو بنظر في ماله أو بغناء أو بغير ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالى، ومن لم يضيع شيئاً من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن1. أ ه‍.
ب_ واستدلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) (سورة القصص/55) والغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه.
ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو: سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق بذلك. قال تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) (سورة القصص/ 55)، فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (سورة الفرقان/ 63).
ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه وتمدحه، وليس فيها ما يوجب ذلك.
وكلمة اللغو ككلمة الباطل تعنى ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً أو يشغل عن واجب.
روى عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له: أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات؛ لأنه شبيه باللغو، قال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) (سورة البقرة/225، سورة المائدة/ 89).
قال الإمام الغزالي: (إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخذ به، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص؟!2.
على أننا نقول: ليس كل غناء لغوا؛ إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"3.
ج‍_ واستدلوا بحديث: "كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" رواه أصحاب السنن الأربعة، وفيه اضطراب، والغناء خارج عن هذه الثلاثة.
وأجاب المجوزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فأن قوله: "فهو باطل" لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق. على أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولاشك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، لا يحرم عليه شئ منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل.
د_ واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري ـ معلقا ـ عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعرى ـ شك من الرواي ـ عن النبي عليه السلام قال: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر4 والحرير والخمر والمعازف". والمعازف: الملاهي، أو آلات العزف.
والحديث وأن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المعلقات" لا من "المسندات المتصلة" ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، فسنده يدور على (هشام بن عمار)5 وقد ضعفه الكثيرون.
ورغم ما في ثبوته من الكلام، ففي دلالته كلام آخر؛ إذ هو غير صريح في إفادة حرمة "المعازف" فكلمة "يستحلون" ـ كما ذكر ابن العربي ـ لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن يكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعنى الحقيقي، لكان كفراً.
ولو سلمنا بدلالتها على الحرمة لكان المعقول أن يستفاد منها تحريم المجموع، لا كل فرد منها، فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور. فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخزّ وحرير، ولذا روى ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بلفظ: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير"، وكذلك رواه ابن حيان في صحيحه.
ه‍_ واستدلوا بحديث: "إن الله تعالى حرم القَيْنة (أي الجارية) وبيعها وثمنها، وتعليمها".
والجواب عن ذلك:
أولاً: أن الحديث ضعيف.
ثانياً: قال الغزالي: المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب، وغناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام، وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور. فأما غناء الجارية لمالكها، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث. بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة، بدليل ما روى في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها. [الإحياء ص1148] وسيأتي.
ثالثاً: كان هؤلاء القيان المغنيات يُكَوِّنَّ عنصراً هاماً من نظام الرقيق، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجياً، فلم يكن يتفق وهذه الحكمة إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي، فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك (القينة) وبيعها، والمنع منه، فذلك لهدم ركن من بناء "نظام الرق" العتيد.
و_ واستدلوا بما روى نافع أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا. فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال: "رأيت رسول الله يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
والحديث قال عنه أبو داود: حديث منكر.
ولو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم. فلو كان سماع المزمار حراما ما أباح النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر سماعه، ولو كان عند ابن عمر حراماً ما أباح لنافع سماعه، ولأمر عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر، فإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر دليل على أنه حلال.
وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنّبه أكثر المباح من أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئاً وأن يبيت عنده دينار أو درهم...الخ.
ز_ واستدلوا أيضاً بما روى: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب" ولم يثبت هذا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت قولاً لبعض الصحابة، فهو رأى لغير معصوم خالفه فيه غيره، فمن الناس من قال ـ إن الغناء يرقق القلب، ويبعث الحزن والندم على المعصية، ويهيج الشوق إلى الله تعالى، ولهذا اتخذوه وسيلة لتجديد نفوسهم، وتنشيط عزائمهم، وإثارة أشواقهم، قالوا: وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق والتجربة والممارسة، ومن ذوق عرف، وليس الخبر كالعيان.
على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغنى لا للسامع، إذ كان غرض المغنى أن يعرض نفسه على غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه. ومع هذا قال الغزالي: وذلك لا يوجب تحريماً، فإن لبس الثياب الجميلة، وركوب الخيل المهملجة، وسائر أنواع الزينة، والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك، ينبت النفاق في القلب، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثير [الإحياء ص1151].
ح_ واستدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة، بما شاع عند الناس من أن صوت المرأة عورة. وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله على أن صوت المرأة عورة، وقد كان النساء يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملأ من أصحابه وكان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم، ولم يقل أحد: إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر.
فإن قالوا: هذا في الحديث العادي لا في الغناء، قلنا: روى الصحيحان أن النبي سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما، وقال لأبي بكر: دعهما. وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين.
أدلة المجيزين للغناء:
تلك هي أدلة المحرمين، وقد سقطت واحداً بعد الآخر، ولم يقف دليل منها على قدميه، وإذا انتفت أدلة التحريم بقى حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك، ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سقوط أدلة التحريم، فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة، وروحه السمحة، وقواعده العامة، ومبادئه الكلية؟
وهاك بيانها:
أولاً: من حيث النصوص:
استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة، منها: حديث غناء الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة، وانتهار أبي بكر لهما، وقوله: مزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلى هذا الحد.
والمعول عليه هنا هو رد النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضى الله عنه وتعليله: أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنه بعث بحنيفية سمحة. وهو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه.
وقد روى البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، ما كان معهم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو".
وروى النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين. فقلت: أي صاحَبْى رسول الله أهلَ بدر يفعل هذا عندكم؟! فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس.
وروى ابن حزم بسنده عن ابن سيرين: أن رجلا قدم المدينة بجوارٍ فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فغنت، وابن عمر يسمع، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، غبنت بسبعمائة درهم! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال له: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيه إياها. قال ابن حزم: فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية، وهذا إسناد صحيح لا تلك الأسانيد الملفقة الموضوعة.
واستدلوا بقوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) (سورة الجمعة/ 11).
فقرن اللهو بالتجارة، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما ـ بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحا بها ـ عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتركه قائما.
واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه. وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي.
واستدلوا بما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع، كما سنذكره بعد.
وثانياً: من حيث روح الإسلام وقواعده:
أ_ لا شئ في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفطر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء، لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم...الخ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال؟
من المعروف أن الله تعالى كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا، كما قال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) (سورة النساء/ 160-161)، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم جعل عنوان رسالته في كتب الأولين (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (سورة الأعراف/ 157).
فلم يبق في الإسلام شئ طيب أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله، رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها. قال تعالى: (يسألونك ماذا أحل الله لهم قل أحل لكم الطيبات) (سورة المائدة/ 4).
ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده، وليس من شأن عباده، قال تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل اللهُ لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) (سورة يونس/59) وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه، ويردى صاحبه في هاوية الخسران المبين، والضلال البعيد، قال جل شأنه ينعى على من فعل ذلك من أهل الجاهلية: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) (سورة الأنعام/ 140).
ب
ب_ ولو تأملنا لوجدنا حي الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد غريزة إنسانية وفطرة بشرية، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم، بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في الإحياء: (من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر ـ لقوة نشاطه في سماعه ـ المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فنرى الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها).
وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها؟ كلا، إنما جاء لتهذيبها والسمو بها، وتوجيهها التوجيه القويم، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها.
ومصداق ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟" قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية: فقال عليه السلام: "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر" رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وقالت عائشة: "لقد رأيت النبي يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأمه ـ أي اللعب ـ فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو".
وإذا كان الغناء لهواً ولعباً فليس اللهو واللعب حراماً، فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق والصرامة الدائمة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة ـ حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: "يا حنظلة، ساعة وساعة" رواه مسلم.
وقال علي بن أبي طالب: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أكرهت عميت.
وقال كرم الله وجهه: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لها على الحق.
وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال: إن الغناء لهو ولعب بقوله: (هو كذلك، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب... وجميع المداعبة مع النساء لهو، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد، كذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال، نقل عن ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة.
القائلون بإجازة الغناء:
تلك هي الأدلة المبيحة للغناء من نصوص الإسلام وقواعده، فيها الكفاية كل الكفاية ولو لم يقل بموجبها قائل، ولم يذهب إلى ذلك فقيه، فكيف وقد قال بموجبها الكثيرون من صحابة وتابعين وأتباع وفقهاء؟
وحسبنا أن أهل المدينة ـ على ورعهم ـ والظاهرية ـ على حرفيتهم وتمسكهم بظواهر النصوص ـ والصوفية ـ على تشددهم وأخذهم بالعزائم دون الرخص ـ روى عنهم إباحة الغناء.
قال الإمام الشوكانى في "نيل الأوطار": (ذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر، وجماعة الصوفية، إلى الترخيص في الغناء، ولو مع العود واليراع. وحكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع: أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأساً، ويصوغ الألحان لجواريه، ويسمعها منهن على أوتاره. وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.
وحكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضاً عن القاضي شريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والشعبي).
وقال إمام الحرمين في النهاية، وابن أبي الدنيا: (نقل الأثبات من المؤرخين: أن عبد الله بن الزبير كان جوار عوَّادات، وأن ابن عمر دخل إليه وإلى جنبه عود، فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله إياه، فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي؟ قال ابن الزبير: يوزن به العقول!).
وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالة في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال: (إن رجلا قدم المدينة بجوار فنزل على ابن عمر، وفيهن جارية تضرب. فجاء رجل فساومه، فلم يهو فيهن شيئا. قال: انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا. قال: من هو؟ قال: عبد الله بن جعفر... فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن، فقال لها: خذي العود، فأخذته، فغنت، فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر...الخ. القصة).
وروى صاحب "العقد" العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي: أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود، ثم قال لابن عمر: هل ترى بذلك بأساً؟ قال: لا بأس بهذا، وحكى الماوردي عن معاوية وعمرو بن العاص: أنهما سمعا العود عند ابن جعفر، وروى أبو الفرج الأصبهاني: أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره.
وذكر أبو العباس المبرّد نحو ذلك. والمزهر عند أهل اللغة: العود.
وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة. ونقل ابن السمعاني الترخيص عن طاووس، ونقله ابن قتيبة وصاحب الإمتاع عن قاضى المدينة سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين. ونقله أبو يعلى الخليلي في الإرشاد عن عبد العزيز بن سملة الماجشون مفتى المدينة.
هؤلاء جميعاً قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلآت المعروفة ـ أي آلات موسيقى ـ وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الأدفوى في الإمتاع: إن الغزالي في بعض تأليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله، ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه، ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه، ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضاً إجماع أهل المدينة عليه، وقال الماوردي: لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيها بالعبادة والذكر. وقال ابن النحوي في العمدة: وقد روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر ـ كما رواه ابن عبد البر وغيره ـ وعثمان ـ كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي ـ وعبد الرحمن بن عوف ـ كما رواه ابن أبي شيبة ـ وأبو عبيدة بن الجراح ـ كما أخرجه البيهقي ـ وسعد بن أبي وقاص ـ كما أخرجه بن قتيبة ـ وأبو مسعود الأنصاري ـ كما أخرجه البيهقي ـ وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد ـ كما أخرجه البيهقي أيضاً ـ وحمزة كما في الصحيح ـ وابن عمر ـ كما أخرجه ابن طاهر ـ والبراء بن مالك ـ كما أخرجه أبو نعيم ـ وعبد الله بن جعفر ـ كما رواه ابن عبد البر ـ وعبد الله بن الزبير ـ كما نقل أبو طالب المكي ـ وحسان ـ كما رواه أبو الفرج الأصبهاني ـ وعبد الله بن عمرو ـ كما رواه الزبير بن بكار ـ وقرظة بن كعب ـ كما رواه ابن قتيبة ـ وخوات بن جيبر ورباح المعترف ـ كما أخرجه صاحب الأغاني ـ والمغيرة بن شعبة ـ كما حكاه أبو طالب المكي ـ وعمرو بن العاص ـ حكاه الماوردي ـ وعائشة والرُّبيّع ـ كما في صحيح البخاري وغيره.
وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر وابن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري.
وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور (الشافعية). انتهى كلام ابن النحوي. هذا كله ذكره الشوكاني في نيل الإطار [ج*8/264-266].
قيود وشروط لا بد من مراعاتها:
ولا ننسى أن نضيف إلى هذه الفتوى قيوداً لا بد من مراعاتها في سماع الغناء.
1- فقد أشرنا في أول البحث إلى أنه ليس كل غناء مباحاً، فلا بد أن يكون موضوعه متفقا مع أدب الإسلام وتعاليمه.
فالأغنية التي تقول: "الدنيا سيجارة وكاس" مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجساً من عمل الشيطان ويلعن شارب "الكاس" عاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل. والتدخين أيضاً آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم والنفس والمال.
والأغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا، مخالفة لتعاليم الإسلام، الذي يلعن الظالمين، وكل من يعينهم، بل من يسكت عليهم، فكيف بمن يمجدهم؟!.
والأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة أو صاحبة العيون الجريئة أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم... وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) (سورة النور/ 30-31) ويقول صلى الله عليه وسلم: "يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة.
2- ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به ولا غبار عليه، ولكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول، وتعمد الإثارة، والقصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة، وإغراء القلوب المريضة ـ ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلى دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع على الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تلح على جانب واحد، هو جانب الغريزة الجنسية وما يتصل بها من الحب والغرام، وأشغالها بكل أساليب الإثارة والتهيج، وخصوصاً لدى الشباب والشابات.
إن القرآن يخاطب نساء النبي فيقول: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض). فكيف إذا كان مع الخضوع في القول الوزن والنغم والتطريب والتأثير؟!.
3- ومن ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم، كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء، بلا قيود ولا حدود، وهذا هو المألوف في مجالس الغناء والطرب من قديم. وهي الصورة الماثلة في الأذهان عندما يذكر الغناء، وبخاصة غناء الجواري والنساء.
وهذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره: "ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعارف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير".
وأود أن أنبه هنا على قضية مهمة، وهي أن الاستماع إلى الغناء في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء، ومخالطة المغنين والمغنيات وحواشيهم، وقلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع، ويكرهها الدين.
أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلى الأغاني وهو بعيد عن أهلها ومجالسها، وهذا لا ريب عنصر مخفف في القضية، ويميل بها إلى جانب الإذن والتيسير.
4-هذا إلى أن الإنسان عاطفة فحسب، والعاطفة ليست حباً فقط، والحب لا يختص بالمرأة وحدها، والمرأة ليست جسداً وشهوة لا غير، لهذا يجب أن نقلّل من هذا السيل الغامر من الأغاني العاطفية الغرامية وأن يكون لدينا من أغانينا وبرامجنا وحياتنا كلها توزيع عادل، وموازنة مقسطة بين الدين والدنيا، وفي الدنيا بين الحق الفرد وحقوق المجتمع، وفي الفرد بين عقله وعاطفته، وفي مجال العاطفة بين عواطف الإنسانية كلها من حب وكره وغيرة وحماسة وأبوة وأمومة وبنوة وأخوة وصداقة... الخ فلكل عاطفة حقها.
أما الغلو والإسراف والمبالغة في إبراز عاطفة خاصة فذلك على حساب العواطف الأخرى، وعلى حساب عقل الفرد وروحه وإرادته، وعلى حساب المجتمع وخصائصه ومقوماته، وعلى حساب الدين ومثله وتوجيهاته.
إن الدين حرم الغلو والإسراف في كل شئ حتى في العبادة فما بالك بالإسراف في اللهو وشغل الوقت به ولو كان مباحاً؟!
إن هذا دليل على فراغ العقل والقلب من الواجبات الكبيرة، والأهداف العظيمة، ودليل على إهدار حقوق كثيرة كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحمود وعمره القصير، وما أصدق وأعمق ما قال ابن المقفع: (ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حق مضيع) وفي الحديث: "لا يكون العاقل ظاغنا إلا لثلاث: مرمة لمعاش، أو تزود لمعاد، أو لذة في غير محرم"، فلنقسم أوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط ولنعلم إن الله سائل كل إنسان عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه؟
د_ وبعد هذا الإيضاح تبقى أشياء يكون كل مستمع فيها فقيه نفسه ومفتيها، فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستشير غريزته، ويغريه بالفتنة، ويسبح به في شطحات الخيال، ويطغى فيه الجانب الحيواني على الجانب الروحاني، فعليه أن يتجنبه حينئذ، ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه فيستريح ويريح.
تحذير من التساهل في إطلاق التحريم:
ونختم بحثنا هذا بكلمة أخيرة نوجهها إلى السادة العلماء الذين يستخفون بكلمة "حرام" ويطلقون لها العنان في فتاواهم إذا أفتوا، وفي بحوثهم إذا كتبوا، عليهم أن يراقبوا الله في قولهم ويعلموا أن هذه الكلمة "حرام" كلمة خطيرة: إنها تعنى عقوبة الله على الفعل وهذا أمر لا يعرف بالتخمين ولا بموافقة المزاج، ولا بالأحاديث الضعيفة، ولا بمجرد النص عليه في كتاب قديم، إنما يعرف من نص ثابت صريح، أو إجماع معتبر صحيح، وإلا فدائرة العفو والإباحة واسعة، ولهم في السلف الصالح أسوة حسنة.
قال الإمام مالك رضي الله عنه: ما شيء أشد علىّ من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا، وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليا وعامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل ـ وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ فكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون، ثم حينئذ يفتون فيها، وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم قال: ولم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدي بهم، ومعول الإسلام عليهم، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول: أنا أكره كذا وأرى كذا، وأما "حلال" و"حرام" فهذا الافتراء على الله. أما سمعت قول الله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل اللهُ لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) (سورة يونس/59)؛ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرماه.
وقال الله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) (سورة يونس/ 116).
--------------------------------
المصدر : عن فتاوى معاصرة
1 المحلى لابن حزم (9/60) المنيرية.
2 إحياء علوم الدين. كتاب السماع ص1147ط دار الشعب بمصر.
3 رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم. 4 أي الفرج والمعنى يستحلون الزنى.
5 انظر: الميزان وتهذيب التهذيب.

العلامة الدكتور يوسف القرضاوي

http://www.balagh.com/mosoa/fonon/q90tmzfl.htm